الراعي الذهبي

القصص المشاركة في مسابقة الامسية الرمضانية

قصص المشاركين

(اضغط على اسم المشاركة لقراءة القصة)

البُوصلة

 

  • “مهمتك ان تدير منصة إعلاميةً ضد بلدك “.

صدمته هذه الكلمات تجهم وجهه وتصبب عرقً . همدان الذي ترك وطنه هربا من الحرب وسافر بعيداً كي يتم دراسته. إنه ابن الفلاح البسيط الذي حلم يوماً ان يكون اعلامياً مرموقاً ينشر حب الوطن ويرفع إسمه عالياً في المحافل !

يرخي ربطة عنقه الذي لبسها للمرة الثانية بعد حفل تخرجه من مرحلة الدكتوراه ، فهو سيقدم على وظيفة العمر الذي طالما حلم بها !

هنا وكالعادة يهرب إلى عالمه الخاص ، يبدأ بتصور مشهد حلبة مناظرة , يتنافس فيها شخصان أحدهما يلبس ثياباً بسيطةً كالذي يلبسها أهل بلده ، ملامحه تشبههم ولهجته كلهجة أبيه !

في الجهة المقابله شخصً آخر يلبس ثياباً فاخرةً وبيده سيجارة يلثمها بشراهةً ، ملامحه غريبة وصوته ثخين بلكنة غريبة لا تشبه اللكنة الذي يعرفها. يقف همدان متوسط بينهم في حلبة يغمرها الضوء والدخان وحولهم جمهورٌعريضٌ ينصت باهتمام !

  • “هل ستعمل معهم ؟ هل ستخون بلدك لطامعٍ يريد أن يستعبد أهلك ويبتلع خيراتك ؟ ” قالها الشخص الأول وهو منفعلٌ ويشير بيده مخاطباً الحكم ” همدان ” !
  • ” وطن! أيُ وطن ؟ ماذا قدم لك ؟ ألم يحرمك الفساد فيه من حلمك ؟ ألم تدفعك الحرب إلى الهجرة وترك من تحب ؟ هل نسيت معاناتك هناك ؟ إنها فرصة العمر ، ستجني أمولاًطائلةً ستمكنك من عمل ما تحب ” قالها الرجل الغريب بخبثٍ وهو يبستم !

ابتسم همدان وعدل من جلسته وهندامه. هنا يقف الرجل الأول ويخاطبه بانفعال :” تمهل ! هل نسيت ذكرايتك ؟ هل نسيت جامعتك ومدرستك ومسجدك واصدقاءك ؟ هل نسيت أباك وأمك؟”

” أباك وأمك ” تتكرر الكلمات في ذهنه ويختفي معها مشهد حلبة المناظرة ويظهر مشهد الوداع , المشهد الذي لا ينساه أبداً ، مشهد والده ووالدته والذي يتذكره كلما واجه مشكلةً أو ضاق ذرعاً بالغربة والحرمان.

في ذلك اليوم وهو عند بوابة المطار وضع أبوه في يده شيء غريب وقال له : احتفظ بها معك دوماً ولا تتركها أبداً ولتكن وصيتي لك!!

يعود إلى العالم الواقعي ، ينتفض فجأةً يلتفت يمنةً ويسرةً ، يفتش في جيوب ثيابه ، لا يجدها ! يتصبب عرقاً وينشف ريقه ويصرخ : أين هي ؟ أين هي؟

يتذكر أنه وضعها في حقيبته خارج مكتب مدير المنظمة الذي ينظر إليه باستغراب وهو ينتظر منه الإجابة على عرض الوظيفة. يترك مكتب المدير ويهرول خارج المكتب ليبحث عن حقيبته القديمة التي تركها خارجا ، فهي حقيبة قديمه يحتفظ بها لعدة سنوات ، هذه الحقيبة هديةٌ من أمه في يوم حفل تخرجه من الجامعة عندما أعطتها له وهي تقول : هذه هديتي لك يادكتور همدان ، يتذكر يومها حين دمعت عينه وهو يسمع كلمة دكتور ويرد عليها : لا يزال أمامي الكثير لأصبح دكتورً يا أمي الحبيبة.

يجد الحقيبة يفتحها بانفعال ويبعثر الأشياء من داخلها ،،، وأخيراً وجدها !!!

البوصلة !! نعم البوصلة !!!

وصية أبيه الذي طلب منه ان لا يتركها أبداً. يغمض عينيه ويقول في نفسه : آه لو أعرف سر هذه البوصل’ . لماذا أصر أبي أن تلازمني دوماً ؟ وأنا لم أستفد منها أبداً ؟

هنا يعود مشهد حلبة المناظرة إلى خياله مجدداً.

  • ” ماذا تعمل؟ هل تريد ان تضيع هذه الفرصة الذهبية من يدك! ارجع لمكتب المدير وأخبره موافقتك على الوظيفة ” قالها الرجل الغريب وقد قام من مكانه وهو يتحرك إليه.

يتحرك الرجل الذي يشبه اباه بسرعةٍ ويمسك بيده ويقول له :” هل ستذهب ؟ هل ستتخلى عن مبادئك وأهلك وأرضك من اجل المال ؟ هل ستفقد البوصلة !! ”

يختفي المشهد من جديد ويعود إلى جو مكتب المنظمة وهو يتمتم ” البوصلة ، البوصلة ، عرفت الأن ماذا يريد أبي”

دخل مسرعاً إلى مكتب المدير ، ضرب بيده على مكتبه وقال : ” لا لن أعمل معكم ، لن أخون ديني ووطني ، لن أفقد البوصلة !!”

حمزة المداني

“شيخوخة وطن”

خرج كعادته في صبيحة يوم متمشياً في شوارع الحي. الجو أدفأ قليلًا من العادة لعلّه لا يحتاج أن يرتدي قفازه الشتوي اليوم. توجّه إلى أحد الكافتيريات التي كان يحلّ فيها يومياً ما عدا الأيام التي تتفضل فيها جارته عليه ببعض الإفطار. نسيم الرياح المنبعث يلفح الوجه بالبرودة ومحمّل برائحة عوادم السيارات وما ينبعث من الكافتيريات التي يغصّ بها الشارع. رائحة وشعور فريدان ما يعطي    صنعاء علامة مميزة.

استقبله العامل: أهلًا عمي أبو صالح. صباح الخير

تشتي فطورك حق كل يوم ؟

اكتفى أبو صالح بالسكوت فهو معتاد على أن يطُرح عليه هذا السؤال والعامل معتاد على أن لا يلقى جواباً فهو يشرع في إعداد  الفطور على أيّة حال

الشوارع بالخارج مزدحمة بالسيارات, والطلًاب متوجهون إلى مدارسهم مشيًا وركبانا.

يوم اعتيادي رغم كل الأوضاع الراهنة التي يمر بها البلد إلا أن الناس تماشوا مع وتيرة الحرب وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من   تفاصيل يومهم.

قدُّم إليه فطوره.. أنهاه بسرعة وخرج من دون أن يدفع, فالدفتر هو ما يتعامل به صاحب الكافتيريا مع أبي صالح.

كانت الغارات الموجهة من الطيران تقصف مناطق مختلفة ولم يمنع هذا الناس من مواصلة سير حياتهم, ولم يمنع أبا صالح أن يخرج في هذا اليوم

وبينما هو عائد في طريقه إلى البيت كان صوت الطائرات يقترب وضجيجها يتردد على مسمعه وماهي إلا دقائق حتى سقطت قذيفة

توفي أبو صالح فورًا. لم يكن يتوقع أن موته سيكون بهذه الطريقة, ولم لا؟ والمدينة لا تهدأ يومًا. لكن في الحقيقة كان لديه شعور بخلاف ذلك؛ فقد كان يتخلله أمل أن الأمور ستؤول إلى أفضل مما هي عليه.فإن مات فقد يموت جراء أحد الأمراض التي ستعرض له من أحد الأوبئة التي تعصف بالناس, أو قد يرتفع عليه مستوى أحد  “الشرّين” (الضغط والسكر). لكن الموت إثر قذيفة لم يكن أمرًا محبباً إليه ولم يضعه على أية حال في قائمة الحسبان.

ربما ما كان يخيف أبو صالح هو عبثيّة الخاتمة, فهو يرى أن الموت عن مرض ينزل به يظل منطقياً مقارنة بأن يموت من وراء  حرب ونزاع عبثيّين. فأسوأ ما قد ينتهي إليه المرء هو أن لا يجد لموته معنى.على كلٍّ فارق أبو صالح الحياة وقد كان يحلم دومًا أن تسنح له فرصة الصعود على طائرة, والمفارقة أن صوت الطائرة كان آخر ما  يسمع.

لم يكن في حياة أبي صالح شيء من الإثارة ولم يكن موضع امتياز بين أخوته فقد كان الأخ الرابع بين ثمانية أخوة. عاش كغيره من  الناس وربما أقل من الكثير إلا أنه كان مكتفيًا بما حصل عليه وبما خاض من تجارب في حياته. درس الثانوية في مدرسة متواضعة لم يكن الأول على صفه لكنه كان على شيء من الاجتهاد ما مكنه على أن يحصل على درجات  جيدة. ما إن انتهى من دراسته للثانوية حتى تزوج مخلفًا ثلاثة أبناء, من يهمنا في قصتنا هو الأصغر منهم: خالد.

كانت علاقة الأبوين في شيء من التناغم والمرح, خالية من الحواجز التي تفصل بين بعض الأزواج مثل كون الأب هو الآمر وصاحب السلطة في البيت. لم يكن أبو صالح يعتبر نفسه آمرًا ولم يكن يعتبر من في بيته مأمورين, اعتباره لمنظومة الزوا ج كان  أقرب إلى البساطة نظرًا لأسلوب حياته.

أما حياة ابنه خالد لم تخلُ من  نزوات الشباب وحماستهم,  لكنها لم تكن تلك الحماسة التي تؤدي بصاحبها إلى العبث والقيام بتخريبات  لا تأويل لها إلا أنها صبيانية وعدم رجحان في العقل. بل كانت أقرب إلى حس سليم في السعي لما يرفع المرء.

جاءت الثورة بما تحمل من آمال وأحلام طوال طارحة على الشعب مشروع تقرير مصير جديد. وقد كانت روح خالد تجليًّا حقيقيًا  لهذا الحلم الوطني في صلاح البلًد. وبما أنه  وجد الناس ينظرون له بهذه الطريقة فقد آمن هو بالتالي أنه قادر على صنع التغيير.

اندفاعية خالد وثقته الراسخة بأن مسؤولية حمل عبء البلد كانت على عاتقه أكثر من أي شخص آخر جعلت منه شمعة تحترق في سبيل تحسين ما يمكن تحسينه لا لتنير ما حولها وتنطفئ بل لتنيره و تزيد في جذوة اشتعالها. بهكذا روح متفجرة حاكت الدنيا غزلها ولعبت أوراقها ليقابلها الفتى بها. كان التاريخ 18 مارس في يوم جمعة الموعد الأسبوعي التي عادة ما يحتشد فيه المتظاهرون سلمياً لكن هذه المرة شهد الموعد حضورًا على غير العادة وخلاف المعهود. ما إن انتهى المصلّون من صلاتهم حتى انهالت طلقات الأسلحة على المتظاهرين, والذي كان بالطبع خالد من بينهم لأ نه كان وقود المح المحتشدين ومصدر حماستهم.  لم تمر عدة دقائق حتى تساقط عشرات القتلى أغلبهم طلبة جامعيون. كان من بين الصرعى ابن أبي صالح خالد, الذي رحل وترك ناره الأبدية مشتعلة حتى  يومنا هذا.

ما كان لأبي صالح إلا أن يسلمّ بما حدث, فهو قدر الله وما شاء فعل .لم يحزن كثيرًا أبو صالح على وفاة خالد رغم أنه كان أحبّهم إليه من إخوته إلا انه اعتبره تضحية لا بدّ منها من أجل الوطن. تسارع مضيّ  الأيام,  وانقلبت الأمور عدة مقالب, وتفرّقت الجماعات إلى عدة شيع, ولم يعد شيئاً يشبه ما كان عليه في السابق. كان شريط الأحداث هذا ينعرض على أبي صالح ببطء ويشعر به في أحشائه,  لم يكن لديه ما يعزيه لكنه عاش كل هذا على مضض قابلًا مسلّمًا به في ذات الآن.

“الوداع الأخير”

 

كان الرعب فى كل مكان و الصرخات تندلع في ظلام الليل ، هل قلت ” الليل!” ، لا أعلم لماذا تكمن أكثر مخاوفنا في جوف ظلمة الليل. كانت من أكثر الليالي برودة. كنت ارتجف مختبئة تحت لحاف كحلي اللون. كان هنالك صوت وقع أقدام تقترب من باب الغرفة، كانت أشبه بالزحف ، وماهي إلا لحظات ويٌفتح باب الغرفة متعمدًا عدم إشعال الضوء ، ثم همس بلطف لأحد من بالغرفة، فاقترب الآخر من الباب وتبادلا الحديث همسًا، ثم اغلقا الباب وذهبا.

تلك الهمسات جلبت إلى الغرفة برودة شديدة أشبه ببرودة ثلاجة الموتى. كادت أناملي ان تتجمد من شده الخوف. تعمدت أن أبقى صامتة متظاهرة بأني نائمة. واستمر بي الحال هكذا لبضع ساعات، ولآن سألتني ماذا كان يدور فى رأسي حينها لأجبتك صادقا ” كنت كأحفورة متجمدة بقالب جليدي منذ الآلاف العصور لا يعبء بما حوله غير أنه الجو قارص البرودة”. ولم تكن إلا لحظات حتى بدأت صوت البكاء يعلو الارجاء واصوات أخرى تنده باسمي “أين هي ، أحظروها، أحظروها بسرعه “، أدركت حينها أن المكان لم يعد امانا للاختباء ، ولكني لاأعرف لنفسي اي مخبء آخر. فكرت بالهرب إلى خارج المنزل ، لكن باب الخروج كان مكتض برجال ونساء الحي. فأسرعت راكضه الي سطح المنزل وحاولت أحكام غلق الباب ، ثم أرخيت جسدي على الجدار وجلست. كانت ضربات قلبي تتسارع متناغمه مع تدفق الأدرينالين في عروق جسدي، وكيف لا وقد اجتزت أكثر من ثلاثين سلم واصلة الى السطح بنفس واحد. لوهلة ظننت أنه لن يصل الي أحد لكن لم يطل الوقت حتى خاب ظني وسمعت أحدهم يقول “شكلها بالسقف، هي تجلس واصل هناك”، وماكانت الا برهه من الزمن حتى فُتح باب السطح على عجل . يا إلهي ، انها أختى وزوجة جارنا أم رامي.  حاولت الصراخ لا أريد النزول معكما دعوني وشأني هنا. لكن لساني خذلني فقد انشل مثلما شُلت جميع أطراف جسدي حينها. اقتربتا مني ، عن يمين وشمال، أشبه برقيب وعتيد، وإجترانِّي كم يجتر من حكم عليه بالاعدام شنقا الى حبل المشنقه المنصوب له. وكلما كنت اجتر خطوة كنت اشعر ب بقوة الجاذبيه الارضيه تزيد جسدي ثقلا.

“احضروها قبل فوات الاوان”.   اقتربنا من غرفة المعيشة ، لكن ملامح الغرفة لم تكن كما عهدتها، كانت أكثر اكتضاض بنساء الحي ، ورائحه الكافور والمسك تفوح من أرجاء الغرفة. “ماهذا!! ” صندوق خشبي مستطيل الشكل يتوسط غرفة المعيشة، لحاف أمي الجديد الذي أهداها إيه خالي حين عودته من السعودية يعلوه. “احضروها الى هنا “….” مهلا هذا صوت امي” ” إكشفوا عن وجهه ، دعواها تراه…تعالى إلقِ عليه الوداع الأخير..إسرعي فاعمامكِ وجدكِ على عجل”. ماذا الوداع الأخير؟!!!!..مهلا أنا لم أعرفه سوى بضعة أشهر او ربما أقل ، كيف تقولين الوداع الأخير. لقد رحل وأنا في الثانية من عمري، وهأنا الآن فى الرابعة عشر، لم يمضى على لقائنا الاول سوى شهر واحد… او ربما اقل…! لم أعتَّد على ملامحه وتواجده حول سفرة المائدة ، لم احفظ تقاسيم وجهه بعد ، لم أرى تعابير وجهه عندما يغضب ،لا .. لا حتى اني لم احفظ رائحه حضنه بعد… مهلا كنت أريد أخذ قيلوله هذا المساء بين احضانه. كيف تجرؤون على إخبار بأن هذا هو الوداع الأخير، أي وداع ولم أصنع أي ذكريات تخص كلينا..  أعتصرت الغصه حلقي ، وانقسم شيء بأعماقي يصارع لا..لا أريد الوداع الأخير..لكن جسدي سلم للأمر. قبلت شفتاي جبينه البارد ، وودعت عيناي وجهه المشع بالنور، ولمحت لحيته البيضاء ووجهه المبتسم، وكأنه يغط بنوم عميق. دعوت الله راجيه بأن يثبته ويؤنس وحشته.   رحمه الله تغشاك يا أبي الحبيب.

“جلسة استماع”

 

جلسة المتهم رقم (1112) جاء هذا الصوت الذكوري الخشن من مكبرات الصوت المثبتة على زوايا قاعة المحكمة المترامية ألأطراف. التهمة ألاولى: تدمير شركة اس اس اند اس للذكاء الإصطناعي وتكنولوجيا الأمن المتقدم، التهمة الثانية : ألهروب من وجه العدالة واختراق أنظمة الدولة،وتزوير الشخصية.. بدأت الجلسة.

الرجاء من المتهم النهوض من مقعده والتعريف عن اسمه ورقمه الوطني.

أنا المتهم عصام خالد سعيد , الرقم الوطني (…….)

ما أقوالك بشأن التهم الموجهة إليك؟

مذنب سعادتك.

أي تعليق أو إعتراف آخر؟

اللعنة على التكنولوجيا.

تريد هيئة المحكمة الاستماع إلى قصة المتهم عصام خالد سعيد بكامل تفاصيلها على مسمع جميع الحضور.


بعد محاكمتي سابقًا في محكمة العدل الرقمية ألتابعة لشركة اس اس اند اس، عدت إلى زنزانتي وأنا أشعر بالخيبة والغضب من مثولي أمام ذلك الروبوت اللعين الذي يطلقون عليه اسم القاضي كيو (٢٢).

بعد ساعة تقريباً جاء محامي الدفاع الخاص بي إلى زنزانتي مستاءً جدًا من إعترافي بالذنب أمام جميع التهم السخيفة التي لفقت لي, قائلا ما الذي تنوي فعله بربك هل تدرك عواقب هذا الإعتراف , هذا المحامي هو صديقي ابو العز ورغم بنيته الصغيرة وشكله الغريب إلا أنه من أبرع المحاميين في محافظتنا , ولا أخفي عليكم أن باسطاعته تبرئتي من تهم أكبر بكثير فضلا عن التهم التي وجهت إلي ساعة الجلسة.

طلبت منه الا ينفعل وأن يأخذ الأمور ببساطة. فرد علي باستنكار واستنفار قائلا كيف تطلب مني أن أهدأ يا عزيزي,قلت له أنت تعلم تمام العلم أني بريء من جميع التهم وأن إفشاء أسرار تلك الشركة الدكتاتورية لم يكن سوى منشور ذكرت فيه التبعات القبيحة لتلك الساعة الشيطانية ألتي انتجتها الشركة, فرد علي : أعي ذلك جيدًا يا عزيزي, وإلا لما كنت هنا مدافعًا عنك في هذه المحنة.. قلت لأبي العز اذاً دورك الآن أن توفر لي ما طلبته منك بالحرف الواحد كصديق وليس كمحامٍ.

في السنة الماضية قامت شركة اس اس اند اس بالإعلان عن نوع جديد من الساعات الذكية التي تدمج مع جلد الإنسان والمحتوية على جهاز يقوم بشل الجهاز العصبي لمرتديها في حالة قيامه بأي عمل يخالف قوانين البلاد، داخل حدود الدولة وخارجها. فمع تقدم التكنولوجيا وتطور أدواتها أصبح هذا النوع من الساعات هو الشخصية الإلكترونية المضمونة لحاملها. والذي بدونها لايسمح لأي شخص دخول المراكز العامة والخاصة من مستشفيات ومحلات تجارية ومرافق حكومية وأسواق بيع السلع . وأي شخص لا يملك ساعة أو لا يقوم بحملها يعتبر خارجًا عن القانون وعقابه السجن لمدة لا تقل عن خمس سنوات مع الأعمال الشاقة.

قبل إنتاج تلك الساعة كانت تطبيقات الهاتف الإلكترونية هي التي تقوم بهذا الدور بعد إلغاء قانون التعامل بالعملات الورقية وفرض قانون العملات الإلكترونية، وأذكر أيضًا قصة أحد ألأصدقاء وما حدث له قبل انتحاره ، فما حدث له كان رهيبًا وفظيعًا، فبعد اتهامه بالسرقة تم إرسال رسائل كثيرة تحمل نفس المحتوى وتدعوه إلى التوجه لأقرب قسم شرطة وتسليم نفسه بأسرع وقت وإلا فالعواقب ستكون وخيمة، لكنه رفض تسليم نفسه ففرضت عليه الحكومة حصارًا رقميًا مشددًا ، حيث قامت بتعطيل كافة حساباته على جميع تطبيقات الدفع وتطبيقات التواصل ، وقامت بإرسال تحذيرات إلى جميع المواطنين بعدم التعامل أو التعاون مع صديقي وأي متعاون معه ولو بقطعة خبز يتصدق بها عليه يعتبر مشارك في الجريمة.

وبعد مرور أربعة أو خمسة أيام تقريبًا توجه صديقي بنفسة إلى مركز الشرطة الواقع اسفل شارعنا وسلم نفسه طواعية، وبعد مدة قضاها في السجن ساءت حالته النفسية فقرر الإنتحار داخل السجن.

زارني صديقي أبو العز بعد يومين من لقائنا السابق وطمأنني قائلًا بأن كل ما طلبته قد قام بتجهيزه ، وطلب مني أيضًا الإفصاح عن خطوتي التالية والسر وراء تلك الطلبات، فاجبته ستعلم كل شيء في الوقت المناسب.

سالته أين الكمبيوتر المحمول الذي طلبته منك ؟ فاخرجه من شنطة اوراقة البنية المصنوعة من جلد الغزال كما قال لي ذات يوم . ثم سألته عن لاقط الإشارة ، فأخرجه من جيب معطفه الداخلي ، وناولني إياه. قلت له هنا ينتهي دورك يا عزيزي وكررت له الكلمة التي لا تفارق لسانه.

ذهب أبو العز فقمت بفتح الجهاز المحمول وقمت بتوصيله بالانترنت من خلال اللاقط, وبدأت بتوجيه ضربتي الأولى والهينة نوعًا ما. فالسجن الذي كنت فيه جميع حراسه والعاملين فيه من الروبوتات الغبية التي ليس لها دور سوى دور الحراسة وتقديم الطعام والتنظيف. فكان لجهاز كمبيوتر صغير متصل بالانترنت القدرة على إخراجي من السجن بسهولة كبيرة كإخراج الهاتف من الجيب.

خرجت من السجن ولكن قبل ذلك تواصلت بصديق عزيز أطلق عليه دائمًا اسم بيكاسو الجراحة التجميلية، كان يملك عيادة تجميل غير مشهورة قام بإغلاقها بسبب سوء العمل فيها، وسبب تسميتي له بذلك الإسم يرجع إلى براعته في القيام بعمليات التجميل وكأنه رسام مبدع.

بعد هروبي مباشرةً توجهت إليه متخفيًا وطلبت منه طلبًا غريبًا بدا له كطرفةٍ، ضحك منها طويلًا. طلبت منه القيام بعمليةٍ تجميليةٍ لوجهي، يغير من خلالها جميع ملامح الوجه التي تمكن كاميرات المراقبة المنتشرة في كل شبرٍ داخل المدينة من التعرف علي.

لم يقصر في ذلك وقام بدوره على أكمل وجه فبعد انتهاء العملية ومدة الراحة أو التعافي ناولني مرآة دائرية بحجم اليد وقال انظر إلى الإبداع، لم أصدق ما أرى، لكن الوقت كان يداهمني فلم أعبر عن اندهاشي وإعجابي ببراعته حينها واكتفيت بقول لقد تجاوزت بيكاسو يا دكتور هاني.نهضت مسرعًا وغيرت ملابسي وأخذت بعض الأدوية التي جهزها لي، وطلبت منه بعض الطعام والماء، وأخبرته أن في حالة وصول الشرطة لأخذه بتهمة مساعدة فار من وجه العدالة، فإن مكوثه في السجن لن يزيد عن يومين على الأكثر.

وبعد مغادرتي منزله كنت قد عقدت العزم على توجيه الضربة الثانية, وهذه المرة ستكون موجهة إلى الشركة اللعينة اس اس اند اس.

توجهت إلى مختبري الصغير إن جازت تسميته مختبر ، حيث لم يكن مختبري سوى غرفة مستطيلة تتراوح مساحتها عشرة أمتار مربعة فيها مجموعة من أجهزة الكمبيوتر وبقايا روبوتات مفككة ومرمية بعشوائية في الأرجاء، وفي ناحية أخرى من الغرفة توجد طابعة اللوحات الإلكترونية الدقيقة. وبجانبها ثلاثة روبوتات مساعدة لي قمت بصنعها سرًا، هذا هو مختبري المتواضع بكل بساطة، إلا أن الأشياء التي أنجزتها فيه كانت عظيمة جدًا، وأذكر أني أول مرة صنعت فيها جهازًا كان في هذا المختبر ، وكان عبارة عن جهاز إرسال رسائل نصية بطريقة ذكية عن طريق موجات الراديو, وبنفس الترددات التي يستخدمها رجال الشرطة لإجراء الاتصالات المباشرة أثناء التجوال ، مع العلم أن تلك الترددات حصرية على الشرطة فحسب ولا يجوز لأيٍ كان العمل عليها، والذكاء في جهازي كان يكمن في أنه يقوم بمراقبة تلك الموجات بشكل متواصل، وفي حالة وجود اتصالٍ ما، يقوم بإرسال رسالة تدمج بطريقة ذكية مع ذلك الاتصال ، لهذا كان من الصعب جدًا إعتراض رسائلي ومعرفة محتواها ، أو معرفة استخدامي لتلك الترددات من قبل أي جهة، وهذا الجهاز كان أحد أهم الأجهزة التي قمت بصناعتها تحت مسمى التكنولوجيا المضادة بعد تخرجي من البكالوريوس بعدة أسابيع.

حان الوقت لتوجيه الضربة الثانية، لكن قبل الحديث عنها سأتكلم عن أمر مهم متعلق بجميع الروبوتات العسكرية والمدنية التي طالما كانت أخطاؤها البرمجية وتصرفاتها الهوجاء تودي بحياة العديد من المواطنين , فلكل روبوت منها برنامج محمل في ذاكرته إلى جانب البرامج التشغيلية الأخرى، وهذا البرنامج مسؤول عن الانتحار الذاتي للروبوت .حيث عملت شركة اس اس اند اس هذا البرنامج كخط دفاع نهائي في حالة إختراق الروبوتات من قبل أي جهات معادية، وهذا البرنامج بعد فتح شيفرته وتفعيله يقوم بتعطيل عمل اللوحة الأم داخل الروبوتات في أجزاء من الثانية، لكن بكل تأكيد هذه الشيفرة موجودة فقط في يد مالك تلك الشركة اللعينة جبر علي.

سابقًا وقبل زجِّي في السجن بمدة شهر تقريبًا قمت بعمل برنامج اسميته المُجمِّع، وهذا البرنامج يقوم بتحميل الكلمات والأرقام بشكل عشوائي من على متصفحات الإنترنت وبرامج التواصل والصحف والمواقع الإلكترونية ، ثم يقوم بتجريب تلك الكلمات لفتح أي شيفرة إلكترونية على أي نظام مهما  كانت قوة أمان هذا النظام, ومن ثم يقوم بإرسال شيفرات المرور لأي جهاز يلج إليه مع إرفاق نوع ورقم ذلك الجهاز ومكان تواجده.

تم القبض علي للمرة الأولى قبل تفعيل البرنامج ونشره على الإنترنت ، لهذا استعنت بصديقي المحامي أبو العز لتفعيل البرنامج وتتبع مراحل عمله ، ثم طلبت منه أن يجعلني على اطلاع دائم بالنسبة التي وصل إليها البرنامج.

بعد بلوغ البرنامج المستوى المطلوب في تجميع البيانات وتحليلها ، وبلغ نسبة مئة بالمئة من كسر الشيفرات الرقمية, قام ابو العز بحمل الخبر إلي خلال زيارته الأخيرة وقبل هروبي من السجن ، والآن جاء دوري لجني الثمار اليانعة للبرنامج.

فتحت البرنامج، ثم في محرك بحثه قمت بإدخال إسم الشركة التي سلبت جميع المواطنين حرية العيش بسلام تحت ذريعة التقدم التكنولوجي. اس اس اند اس هي اللعنة التي منذ تأسيسها تم تأسيس نوع جديد من العبودية والخضوع للآلة ، وتم تمكين التكنولوجيا من محاصرة البشر بطرق شنيعة ولا إنسانية.

ظهرت النتيجة فرأيت جميع شيفرات أنظمة اس اس اند اس أمامي كعدو هارب كنت أبحث عنه لأعوام وفي تلك اللحظة رأيته. في البداية شرعت بتفعيل برنامج الإنتحار الذاتي لأنظمة الروبوتات ، فأصبحت تتهاوى كتهاوي المصابين بالصرع ، على أرصفة الطرقات وفي جميع المرافق التي كانت تتواجد فيها.

ثم ولجت إلى أنظمة الشركة وقمت بتدميرها تدميرًا تامًا، وهجومي هذا جعل الشركة تغلق أبوابها مهزومة إلى الأبد . إن ضربتي القاصمة تلك كانت في نظر العامة ثورة تحرر من مستعمر غاشم ، كان القضاء عليه ضربًا من المستحيل.

بعد تلك الثورة التي أطلقتها بأسبوع قمتم بالقبض علي يا سيادة القاضي ، ولا أخفي عليك أنني اشعر براحة لا مثيل لها اليوم لمثولي أمام قاضٍ بشري ، وهذه هي قصتي وأشكر لك سيادة القاضي ولحضرة المستشارين ولجميع الحضور حسن الإستماع.

حكمت المحكمة حضوريًا بإعدام المتهم عصام خالد سعيد ضربًا بالرصاص في تأريخ….. .

رفعت الجلسة.

النهاية

“ذكرى حرب”

I know we’ll meet again

So let your life begin ’cause

This is not goodbye

It’s just ‘I love you’ to take with you

بينما كانت جميلة الخدين، طويلة القامة، فرعاء العنق، ناعسة العينين ،ذات الشعر الأكثر نعومة كأسلاك الحرير والصوت الأكثرِ رقة ً تسمع اغنيتها المفضلة ودمعها ينهمر على خديها دمعٌ ان صح تعبيرهُ مطراً .

أسماء ذات التسعة عشر ربيعاً وشتاءٌ قارس، كانت جالسةً على شرفتها سكونٌ يحيطها  تحدقُ في اللاشئ ..ذكرياتٌ تدور رحاها فقط لتؤجج حرباً وترحل.

تشتاق لمنزلها وعامٍ مضى، عامٍ أتى حاملاً منشاراً  قطع مستقبلها وأفلْ،أعطاها فرحةً ونزع عنها السعادة ..

وبينما هي راكدةً اذ توقضها يدٌ تشد ثوبها

_ماما ماما

ابنتها “رغد “قطعةُ روحها ذات الثلاثمائة والستين يوماً هي رداءُ الفرحة ،كانت وتدُ خيمتها رغم كل الرياح التي ضربت أركانها ومحت عنها أثار العودة ..انجبتها قبل عام حزنها كانت تحملُ ملامحُ أسماء عيناها واحمرار خديها ..

 

-عيون ماما أنتي؛ أيش ؟!جيعانه،يازغنونتي”صغيرتي”

حملت أسماء صغيرتها ذاهبةً  لتعدَّ الطعام وبينما هي في طريقها و إذا بها تسمع عيار ناريّ كان مشابهاً جداً لصوت رحاها التي لم تتوقف عن الدوران من اليوم الذي حال عليه الحول !!

الصوت،هرولتها التي قُدرَّت بسرعةِ الضوء ،ودماء زوجها مغتالاً على عتبةِ المنزل…

محمد علي قاسم البصير

” سارق الفكر”

لم يمضي يوم في حينها الا وذلك اللص المشهور  (بالعبيط) يقتحم منزلا او اثنين كل ليلة، مع ذلك اصبح الجميع يتجاهل حضوره المتسلل عبر النوافذ، حتى وان شعرنا بوجوده فقد اصابنا  الملل من مطاردته الفارغه.

وحتى الشرطة لم تعد تهتم لبلاغات الناس الكاذبة كما تصفها آلاف المحاضر المرصوفة في رفوف قسم الشرطه.

بلاغات كاذبة، شكاوينا الكثيرة بوجود ذلك اللص ليس لها دليل اثبات،  رغم ثقتنا بوجوده لكننا لانملك برهانا لذلك، الجميع يعلم بوجوده، لكنه خفيف الظل، سريع الحركة، شبح ان صح التعبير، يدخل البيت في لحظة ويخرج منه،  انه اللص العبيط الذي لايسرق شيء من المنازل، وكأنه فقط يملك هواية  الاقتحام والهروب، يعشق المطاردة.

لقد اصبح بالنسبة إلينا كفأرٍ او قط شارد، يلهوا بالمنزل ليلا دون العبث بمحتوياته. لقد استمر الأمر لأعوام كثيرة تكاد تكون حول العشرة، تزيد لا تقل عن عشرة، والعبيط من دار لأخر.

المفقودات لا شيء، وكل البلاغات كاذبة، وكل محاولات الامساك فاشلة، والعبيط اصبح اسطورة الحي.

حتى جاء ذلك اليوم الذي مات فيه رجل في الاربعين من العمر يدعى  (خالد)، كان رجلا بسيطا يعيش في سطح احد المباني بمفرده، انطوائي لا  يخالط الناس، ولا احد يعرف عنه شيء، حتى انه حين اغمي عليه في الشارع ونقله بعض اهل الحي للمشفى لم يكونوا يعرفون اسمه وبياناته، ولهذا  كان لابد لنا من دخول غرفة السطح لنعرف اي معلومة تدلنا على أهله، نخبرهم بوفاته،  وكنت مع من دخلوا لتلك الغرفة، لأنها تقع على سطح مبنى يمتلكه جدي، كان جدي يقول وهو يفتح الباب لنا (خالد) هذا رجل مسكين حده حد نفسه،

الله يرحمه بس، ما اضن انه في له أهل، لأنه عايش بمفرده منذ زمن طويل. وحصلت الصدمة لما دخلنا الغرفة فوجدناها مكتضة بالكتب، الكثير من  الكتب بشكل خيالي، ولما كنا نبحث بداخلها عن اي اسم او عنوان او حتى  رقم هاتف لأي شخص يعرفه، وجدنا الشخص الذي كنا منذ زمان نبحث عنه، انه (العبيط) الذي كان في الحقيقة مثقف كان يسرق كتبنا المهملة ليقرأ،  وفي الوقت الذي كنا لا نفقد اي شي باهظ كان هو يسرق اثمن الأشياء  من وجهة نظره، الكتب.

لقد كنا نفقد كل ليلة كنوزا لا تقدر بثمن، والشخص الوحيد الذي قدرها  كنا نضنه العبيط في حين انه كان يسرق منا الفكر والمعرفة كل ليلة.

وها انا الأن اكتب عوضا عنه.

 

مذكرات العبيط

“عند أسوار القرية”

 

عودة بعد سنين – الجزء 1

يشعر بالعطش لطول المسافة التي قطعها ومع ذلك يشعر بالفرح لكل خطوة يخطوها، وأخيرًا يرى أسوار قريته، هدوءٌ في أرجائها لا يشتته إلا أصواتُ رياحٍ تقتلعُ بعض أوراقٍ من أشجارها، فتسقط على أرضها…

الرياح تضرب الشجر والشجر تفرط بالورق والورق يهبط غاضبًا على الأرض، ثم ما تلبث تلك الأرض إلا أن تبتلع تلك الأوراق البشعة التي ملأتها بالأوساخ‼!

هذا ما فكر به الشاب عندما وطئ القرية وهذا ما تعلمه من خبرة السنين، لم يتقدم كثيرًا وإذ به يُفاجأ بطفلٍ صغيرٍ يرقب المشهد ذاته ولكن البسمة تملأ وجهه، استغرب الشاب واقترب من الطفل ليفهم سرابتسامته، فوجد الطفل وهو يرسم لوحةً بيضاء تتخللها الرياح بهدوء لتعانق أشجارًا خضراء، فتشعر بالغيرة أوراقٌ  صفراء وتقرر السقوط ، لكن الرياح تهون من سقوطها وتجعلها تتأرجح حتى تصل إلى الأرض بسلام، لتجد أرضًا تمتلئ فرحًا بقدومها آملة أن تكسوها خيرًا من ردائها، ثم ما تلبث أن تقرر احتضانها لتجد في الأسفل جذع شجرتها التي فارقتها آخذةً بيدها مجددًا إلى الحياة، فتعود إلى النور ولكن بشكل زهرةٍ  جميلةٍ  تفتخر بها الأم وتضيف جمالًا إلى القرية…

#هذا ما كان عليه تفكيرنا عندما كنا أطفالًا وهكذا غيرتنا الحياة 

#الحياة ليست بالجمال التي يراها الطفل ولكنها ليست بالبشاعة التي يراها الشاب، إنما تتأرجح بين هذا و ذاك المهم أن تبقى دائمًا لوحة الطفل في الذاكرة

#نحن ما نزال في باب القرية ولم ندخلها بعد وسوف نجد الكثير من الصور أمامنا التي تحتاج إلى تفسير فليس من الممكن أن نجد الطفل يرسم لوحةً في كل مرة

 

يتقدم خطوات في القرية – الجزء 2

لم يستمر المشهد بين الشاب والطفل طويلًا، إذ بقي الشاب شارد الذهن متأملًا في لوحة  الطفل لكن الطفل لم يدرك  الأمر واستمر بالرسم…

مع كل الشوق الذي كان يدفع الشاب لدخول القرية إلا أن الارهاق من السفر الطويل إضافةً إلى خضرة المكان جعلاه يغفو عند باب القرية حتى عم الليل المكان فلم يقوضه سوى برودة الجو وأصوات الرياح…

استيقظ الشاب مرتعبًا خائفًا  فهو لم يزرالقرية منذ أن غادرها صغيرًا ويبدو أن معالم كثيرةً  قد تغيرت فيها حتى أنه لم يعد يتذكر طريق منزله الذي كان يسلكه قبل عشرا ت السنين…

برودة الجو أجبرته على البحث عن مكان يأوي إليه حتى بزوغ الفجر، تقدم خطوات  قليلة وإذ به يلمح بيتًا من ثلاثة طوابق لا يوجد نور في أرجائه، تحيطه حديقةٌ صغيرةٌ لكنها تبدو مقفرةً سوى من بعض الحشائش وأصوات الأرانب التي تسمع هنا وهناك…

اشتد البرد وكان لزامًا عليه دخول ذلك الدار، بعد ترددٍ طرق الباب مراتٍ ومراتٍ دون فائدة فلا يبدو أن هناك أحد يستمع إليه، شعر الشاب باليأس وقرر المغادرة لكن صوتًا  ليس غريبًا عليه يُسمع من تلك الحديقة…

توجه بنظره إلى هناك فإذ بثعبانٍ كبير الحجم يتقدم ببطء، ارتعب الشاب كثيرًا وعاد خطواتٍ إلى الوراء لكن المدهش في الأمر أن الأرانب لم تغادر مكانها وبقيت واقفةً متأملةً في ذلك الثعبان…

اقترب الثعبان من الأرانب لمسافةٍ  قصيرةٍ وتوقف هو أيضًا، استمر مشهد الصمت برهةً من الزمان، كان الأمر محيرًا إذ لم يفهم الشاب ماذا يحدث‼! فجأةً انقض الثعبان على أرنبٍ مخطط اللون وغادرعائدًا من حيث أتى وعادت بقية الأرانب مليئةً بالحزن لتمارس حياتها العادية…

لم يفهم الشاب الأمر، كان يتمنى لو أن الطفل يرى هذا المشهد عله يرسم لوحةً تزيل شيئاً من الغموض, ساعاتٍ مرت وتساؤلاته ما تزال عالقة…

لماذا أصرت الأرانب على الوقوف ساكنة؟ لماذا كان الثعبان يقترب ببطء واثقًا أن أحدًا من الأرانب لن يغادر المكان؟ ما الذي أوقف الثعبان؟ هل يعقل أن هناك حوارًا دار بينهم في ذلك الوقت؟ عدد الأسئلة  في ذهن الشاب كثيرةٌ فكيف سيجد لها الجواب أم أنه محظوظٌ لدرجة أن الطفل كان يراقب المشهد من شرفة الدار وهو في خضم إكمال اللوحة.

 

ليست كل الأمور واضحة – الجزء 3

لم تستمر حيرة الشاب كثيرًا  فسرعان ما أكمل الطفل لوحته وها هي تسقط من أعلى شرفة الدار، هبوب الرياح حينها أجبرت اللوحة على أن تغير مسارها لتسقط حيث لم يكن يأمل ذلك الشاب إذ كان لابد عليه أن يدخل حديقة الدار ليلتقط تلك اللوحة …

تملكته الدهشة ولم يصدق ما شاهده أمام عينيه،  فقد وجد الثعبان ميتًا في أحد أركان الحديقة بعد فترةٍ بسيطةٍ من التهامه للأرنب، التقط اللوحة مسرعًا وعاد إلى خارج الحديقة  وصورة الثعبان الميت ما تزال في مخليته…

سارع إلى فتح اللوحة علها تفسر شيئًا من ذلك الغموض لكنها لم تكن واضحةً  كسابقتها إذ لا يوجد فيها سوى حديقةٍ  تملؤها الزهور والأشجار، تمرح فيها أرانبُ كثيرة العدد برفقة ثعبانٍ صغيرٍ وتقضي وقتها في اللهو معه…

كأن الطفل أراد للشاب أن يطلق العنان لخياله ليتخيل ذلك المشهد فهذه القرية تحمل الكثير من المفاجآت، فكيف يمرح ثعبانٌ مع أرانب؟ وكيف تتكون صداقةٌ بينهم؟ بالرغم من ذلك فقد كان الثعبان عند شعوره بالجوع لا يستطيع أن يقاوم الغريزة التي فطر عليها وسرعان ما يلتهم أرنبًا من الأرانب،  ثم ما يلبث إلا أن يشعر بالندم بعد ذلك وتتفهم بقيةُ الأرانب الأمر وتعود الصداقة لسابق عهدها…

مع مرور الأيام  يتناقص عدد الأرانب تدريجيًا وتفقد الحديقةُ خضرتها، في ذلك اليوم لم يستطع الثعبان تحمل الأمر فقد كان يعاني طيلة الأيام الماضية من تأنيب الضمير ولم يسمع خبر إصابة أرنبٍ مخطط اللون بمرض مميتٍ إلا وسارع إلى تلك الفكرة…

أراد الثعبان أن يكون هو الضحية هذه المرة فهو لم يعد يحتمل الأعمال التي يمارسها مع أنه لم يخالف ما فطرعليه أصلًا ولم يرتكب خِطئًا، لحظاتُ التوقف والحوار التي دارت كانت مؤثرةً للغاية، فمع كل الألم الذي أصاب الأرانب من ذلك الثعبان إلا أن اللحظات التي جمعتهم كانت أقوى بكثير…

هنا ظهر الخلاف بينهم جليًا فقد عارضت الأرانب  فكرة الانتحار وظنت أن التضحية أهونُ من الفراق لكنها لم تستطع إقناعه فقد حزم الأمر وقرر المغادرة فعادت الأرانب حزينةً لما حدث لكنها للمرة الأولى ستمارس حياتها العادية…

ابتسم الشاب كثيرًا من عجائب قريته وكيف تحول الثعبان فيها من قاتلٍ إلى ضحية وأدرك أن الظاهر يخفي وراءه الكثير من الأسرار…

لم يقاطع تفكيرالشاب إلا بزوغ شمس الفجر وقد انعكست من على باب الدار ليدرك أن وقت المغادرة  قد حان والوصول إلى داره أصبح ممكنا، لكن هل سيستطيع الشاب مواصلة طريقه أم أن العطش يجبره على أن يبحث عن الماء حتى ولو كان يقع في الجهة الأخرى من الطريق…

# في كل منا ثعبان يظهر في بعض الأوقات ويختفي في معظمها 

# ما يقوم به الثعبان هو أنه يأكل من حسناتنا يومًا بعد الآخر وهكذا تقل الأرانب تدريجيًا

# لن نستطيع الوصول إلى تلك المرتبة التي تجبر الثعبان الذي بداخلنا على الانتحار لكننا نستطيع أن نمنعه من أن يصبح أكبر  حتى يأكل أرانب أقل 

 #اللحظات التي يشعر فيها الثعبان بالندم هي ما جعلت الأرانب تحزن عند فراقه فإن فقدنا الاحساس بذلك الشعور في داخلنا عند كل عمل سيئ فهذا يعني أن الأرانب جميعًا قد ماتت

 

يتجه نحو البئر فماذا يخبئ له الطريق – الجزء 4

لم يكن الطريق نحو البئرقد محي من ذاكرة الشاب رغم السنين الكثيرة التي مرت، ذكرى طفولته وهو يلعب بالماء في جوار ذلك البئر برفقة أطفال قريته، منظر البئر نفسه إذ يأتيه الناس من قرى مختلفة وأماكن متباعدة فيظهر كرم أصحاب قريته وأخلاقهم إذ يعطون الأولوية لأهل القرى البعيدة ما زال عالقًا في الذاكرة…

يقترب الشاب شيئًا فشيئًا من ذلك البئر متأملًا في قريته والمعالم التي تغيرت فيها، أثناء ذلك يلتفت لأسفل قدميه ليجد نفسه في مملكة النمل وقد اتخذت من جانب الطريق مسكنًا…

كان قد سمع عن نشاط النمل وتنظيمها، حيويتها والتزامها، ترتيبها وتفانيها في العمل، لكن أيًا من ذلك لم يكن موجودًا ولو لم ينظر الشاب للأسفل صدفةً  لكن سحق كثير منها…

لبرهة من الزمن تذكرمع حدث مع نبي الله سليمان وأخذ يتساءل عن تلك النملة التي خاطرت بحياتها من أجل البقية ولعبت دور المنقذ والمحذر، يلتفت يمينًا ويسارًا باحثًا عنها دون فائدة فمملكة النمل هذه تبدو دون حراس…

تأمل قليلًا في المشهد فوجد نملًا خاملًا لا يتحرك، كلٌ مجتمع حول الآخر بدون ترتيب وبعشوائية كاملة، لم يكن هذا المشهد هو ما كان متوقعًا فالأمور تبدو ليست بطبيعتها لكن العطش أجبره على أن يكمل المسير…

على بعد مسافةٍ قريبةٍ من البئرانتبه لنملةٍ مسرعةٍ تتجه عكس طريقه عائدةً من البئر يبدو عليها الاستعجال والإرهاق، استغرب الشاب مجددًا، نملةٌ لوحدها والنمل لا تغادر إلا مجموعات، تتحرك مسرعةً  بينما المملكة كلها نائمة…

وصل إلى البئر وأخرج انائه ليملأه، لكن البئر كان جافًا عميقًا يفتقر إلى رائحة الماء نفسها، بجانبه دلوٌ مملوءٌ بالماء يتدلى على إناءٍ لا يكاد يرتفع على الأرض مملوءٌ بالماء هو أيضًا…

اقترب من الإناء ليشرب منه لكنه وجد في قاعه مجموعةً من النمل ميته، أعاد الإناء إلى مكانه وهو يشعر بلغزٍ محير، نمل لا تتحرك، نملةٌ تبدو مسرعةً لكنها ليست ضمن مجموعة، نملٌ ميت في قاعِ الإناء، إناءٌ مملوءٌ  بالماء بجوار بئرٍ جاف!!!

هل هناك رابطٌ يجمع بين كل تلك المشاهد؟ هل سيبحث الشاب عن بئر آخر أم أنه سيعود إلى حيث مملكة النمل عله يفهم تلك القصة؟

 

قرار صعب يجعل النمل تتساقط واحدة تلو الأخرى – الجزء 5

عائدًا إلى حيث رأى مملكة النمل وإذ به يصادف تلك النملة التي كانت تتجه مسرعةً عكس طريقه وهي ميتة  بالقرب من مملكتها…

التفت حوله وإذ بالموت يملأ المكان، لقد ماتت الملكة وجميع أفراد مملكتها من العطش، استغرب الشاب ودارت في ذهنه أسئلةٌ  كثيرةٌ، لماذا لم  تحاول الملكة الحفاظ على أفراد مملكتها وآثرت الموت عطشًا على العودة إلى البئر، ما نوع هذا الوفاء الذي قدمته النمل إذ ضحت بحياتها دون أن تخالف القرارالمتفق وعندما فكرت بعض النمل بالتمرد وذهبت إلى البئر حكم عليها بالإعدام…

عاد إلى البئر الذى قضى بجواره أجمل أيام حياته متأملًا في الإناء المملوء وما يحمله من أسرار، أمعن النظر إليه ليجد في قاعه تعويذةً  اشتهرت في قريته منذ الأزل فقد كان هناك رجلٌ حكيمٌ يعاقب كل من يخطئ مستخدمًا تعويذاته ويُبقي من أثر تلك التعويذات لتدل عليه وهكذا بقي في الإناء ماءٌ لا ينقطع…

لقد كانت التعويذة تعاقب كل من يشرب من ذلك البئر إذ يكتسب تلك الصفات التي عوقب البئر من أجلها ولهذا السبب آثرت النمل الموت عطشاً على أن تكتسب تلك الصفات…

أراد الشابُ أن يبحث عن هذا الحكيم عله يفهم تلك القصة فأي ذنب اقترفه ذلك البئر وقد كان يعطي الماء للقرية بأكملها ويمنح الأرض خضرتها فعملٌ كهذا يستحق الثناء لا العقاب‼!

في خضم البحث على دار الحكيم كان عليه أن يكون شجاعًا بما فيه الكفاية فالحكايات المرعبة عن ذلك الدار لا تنتهي وكثيرٌ ممن دخله لم يغادر، لكن رغبة الشاب للبحث عن الجواب كانت أقوى بكثير.

#قد تجبرنا الحياة على تغيير بعض صفاتنا الحميدة وإلا سوف نبقى دون ماء، بالتأكيد لن نكون بمثالية مملكة النمل التي آثرت الموت عطشًا من أجل مبادئها ولكن يكفي أن نشرب قليلًا منه محاولين في الوقت ذاته مقاومة تعويذاته.

#كثيرٌ من الأخطاء التي فينا لا نراها ونظن أن البئر يقدم الحياةَ لمن حوله بينما لو امتلكنا نظرةَ الحكيم لكتشفنا عيوبنا وقررنا مع ذلك الشاب البحث عن داره رغم المخاطرة.

 

الراعي الفضي

تعليق واحد

  1. الله يوفق الجميع لكن صوتي كوني اعرف السيد محمد النوعه حق المعرفه فيستحق التصويت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى توقيف حاجب الاعلانات لتتمع بتصفح كامل للمقالات